محمد بن وليد الطرطوشي

487

سراج الملوك

تركى ، وإذا هم منهم كالرّقمة « 1 » في ذراع الحمار ، فجمع ذوى الرأي من أهل الحرب والتدبير والشفقة على المسلمين والنظر في العواقب ، واستشارهم في استخلاص صواب الرأي ، فتشاورا برهة ، ثم أجمع رأيهم على اللقاء ، فتوادع القوم وتحالفوا ، وناصحوا الإسلام وأهله ، ثم تأهّبوا أهبة اللقاء ، وقالوا لألب‌أرسلان : نسمى الله تعالى ونحمل على القوم ، فقال ألب أرسلان : يا معشر أهل الإسلام ، أمهلوا فإن هذا يوم الجمعة ، والمسلمون يخطبون على المنابر ، ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها ، فإذا زالت الشمس ، وفاءت الأفياء « 2 » ، وعلمنا أن المسلمين قد صلوا ودعوا لنا وصلينا نحن ، عملنا أمرنا ، فصبروا إلى أن زالت الشمس ، ثم صلوا ودعوا الله تعالى أن ينصر دينه ، وأن يربط على قلوبهم بالصبر ، وأن يوهن عدوّهم ، وأن يلقى في قلوبهم الرعب ، وكان ألب أرسلان قد استوثق من خيمة ملك الروم وعلامته وفرسه وزيّه ثم قال لرجاله : لا يتخلف أحدكم أن يفعل كفعلى ، ويضرب بسيفه ، ويرمى بسهمه ، حيث أضرب بسيقى وأرمى بسهمي ، ثم حمل جميعهم حملة رجل واحد إلى خيمة ملك الروم ، فقتلوا من كان دونها ، فخلصوا إليه وقتل من حوله ، وأسر ملك الروم ، وجعلوا ينادون بلسان الروم : قتل الملك ، فسمعت الروم أن ملكهم قد قتل ، فتبددوا وتمزقوا كل ممزق ، وعمل السيف فيهم أياما ، وأخذ المسلمون أموالهم وغنائمهم ، واستحضر ملك الروم بين يدي ألب أرسلان بحبل في عنقه ، فقال له ألب أرسلان : ما كنت تصنع بي لو أخذتني ؟ قال : فهل تشكّ أني كنت أقتلك ؟ فقال له ألب أرسلان : أنت أقلّ في عيني من أن أقتلك ، اذهبوا به وبيعوه فيمن يزيد ، فكان يقاد بالحبل في عنقه ، وينادى عليه : من يشترى ملك الروم ؟ وما زالوا كذلك يطوفون به على الخيام ومنازل المسلمين ، وينادى عليه بالدراهم والفلوس ، فلم يدفع فيه أحد شيئا ، حتى باعوه من إنسان بكلب ، فأخذ الذي كان تولى ذلك من أمره الكلب والملك ، وحملهما إلى ألب أرسلان ، وقال : قد طفت جميع العسكر وناديت عليه ، فلم يبذل فيه أحد شيئا ، إلا رجل واحد دفع لي فيه كلبا ، قال : قد أنصف ، لأن

--> ( 1 ) الرقم : العلامة أو اثر الكىّ . والعبارة كناية عن قلة عددهم أمام حشود الروم . ( 2 ) فاءت الأفياء : أي صارت لذوات الظل ظلال وذلك ما بين الزوال إلى الغروب .